المجموعة اللبنانية للإعلام
قـــــنــــاة الـــــمنــــار

الحبل المتين - دولة صاحب العصر والزمان

  • شارك
  • تاريخ الحلقة
    2019-05-20
  • التقييم
  • موضوع الحلقة
    «اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ
    تُعِزُّ بِهَا الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَه»
    من العجيب أن يطلبوا(ع) منا التفرغ في ليالي شهر رمضان المبارك
    لمناجاة الله حول دولة صاحب الزمان(ع)
    وخصائص أسلوب حُكم ولي الله الأعظم عليه صلوات المُصلّين!
    فدعاء الافتتاح، الذي يربط شهر رمضاننا المبارك بصاحب الزمان(ع)
    ويجعل عباداتنا ومناجاتنا فيه مهدوية
    يتناول تفاصيل هي في غاية الأهمية والقيمة
    ولا بد أننا جميعاً نعرف
    أن الدعاء قبل أن يتطلب منا الدمعة والحُرقة والآه... يريد منا الفكر
    وأن دمعته وحرقته وروحانيته إنما هي نتاج هذا الفكر
    ولاسيما الأدعية التي وصلتنا عن أئمة الهدى(ع)
    أو هذا الدعاء المعتبر الذي يُحتمل أن يكون وصلنا من الناحية المقدسة
    فهي أدعية تحوي في عبارات في منتهى القِصَر مضامينَ في غاية العُلُو
    والحق إن على المرء أن يتمرّس على الدعاء
    قبل أن يجلس لتلاوته ويخاطب الله به كدعاء أو مناجاة
    فأساساً من دون مراس قد لا يتسنى أحياناً إدراك بعض فقرات الدعاء
    من الفقرات المهمة جداً في دعاء الافتتاح، والتي اشتهرت لحسن الحظ
    هي: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ»
    إلهي، إن رغبتنا وطموحنا وأمنيتنا هي أن نبلغ هذه الدولة الكريمة
    ثم يذكر لهذه الدولة ميزتين:
    «تُعِزُّ بِهَا الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَه»
    وقبل أن نتناول هاتين الميزتين اللتين تنطويان على معنى عميق
    دعونا نتطرق إلى كون الدولة "كريمة"
    من الممكن لصفة "الكريمة" لدولة الإمام صاحب الزمان(عج)
    أن تضم معانيَ غاية في الجمال
    قد تكون فيها إشارة إلى طريقة حكم الإمام(عج) أيضاً
    في القرآن الكريم أيضاً جاء عنوان "الكرامة" بخصوص الإنسان
    في قوله: «لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» أي لقد احترمنا الإنسان ووقّرناه
    إذن هذا التكريم للإنسان مذكور في القرآن الكريم
    وبمعزل عن الإنسان، الذي هو محترم عموماً
    تلاحظون أن التكريم في القرآن الكريم هو لأهل التقوى
    «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ»
    والكرامة التي يمنحها الله للإنسان، مع الكرامة المذكورة للتقوى
    هما من ذات جنس الكرامة الخاصة بدولة صاحب الزمان أرواحنا له الفداء
    ما معنى تكريم الله تعالى للإنسان؟
    معناه أنه تعالى أعطى الإنسان القدرة على الاختيار
    وأنه لا يعجّل على الناس بالعقوبة لارتكابهم المعاصي
    وأنه منحهم القدرة على التمييز
    بل وهو لا يستعجل في إثابة الناس كذلك
    هو لا يدفع الناس إلى الصالحات بتعيين رقيب دائمي على تصرفاتهم
    بل يدعوهم إلى التقوى
    وما معنى التقوى؟
    التقوى هي أن تمارس نشاطاتك بباعث من داخلك
    لا أن يُعمَل، عبر القانون والنُظُم التي تخلق باعثاً خارجياً
    على دفعك باستمرار إلى العمل الصالح
    لاحظوا روعة التقوى في هذه الفقرة من وصية أمير المؤمنين علي(ع):
    «أُوصِيكُمَا... بِتَقْوَى اللهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُم»
    أي فليكن نظمُ أمركم ناجماً عن التقوى، لا نتيجةً للعقاب والثواب
    بل ولا حتى ثمرةَ الطمع بالنجاحات الدنيوية
    قل: أنا أتقي الله وأخشاه أن أكون غير منظَّم
    فمن السيّئ عند الله أن أكون بلا نظام
    وكون التقوى منشأً للكرامة
    يعود إلى أن الله إذا أراد أن يثيب الإنسان على تقواه
    فإنه: «يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب‏»، يعني من حيث لا يتوقع
    أي إنه لا يتعامل معه نقداً، فالتعامل مع الإنسان نقداً خلاف كرامته
    والإنسان إذا وهبه اللهُ الكرامة «لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» فهي من الجنس ذاته
    أي إنه سيُخضِعُه لامتحان، ويعرّضُه لابتلاء، كي يُفجّر طاقاته الكامنة
    وهذا بالضبط ما سيحصل في الدولة الكريمة لصاحب الزمان(عج)
    فلن تكون دولته دولةً تدير شؤون المجتمع بكثرة القوانين
    ولن تكون دولةً تقوم، عبر رصد جوائز ثمينة للخيّرين
    أو حتى للمسؤولين الناجحين، بالسيطرة على مسؤوليها
    كما لن تُسَنَّ في هذه الدولة عقوبات ثقيلة تطارد الناس وتضبط أفعالهم
    وإلا فإنها لن تكون دولة كريمة
    وإذا اتّسم الناس في هذه الدولة بالصلاح وحَسُنَ سلوكُهم
    فببواعث داخلية من أنفسهم
    وإنه لطموح كل إنسان أن يعيش في مجتمع تسوسُه مثل هذه الدولة
    وبطبيعة الحال فإن دولة كهذه ستكون دولة قليلة القوانين
    لا دولة اللاقانون! بل دولةٌ قليلة القوانين
    ذلك لأن القانون غالباً ما يوضع للوقوف بوجه الفاسدين
    فإذا كانت أكثرية المجتمع صالحة
    فبالإمكان، كما في الأحاديث، التعامل بحسن الظن
    أما إذا كانت أكثرية المجتمع ذئاباً فلا بد حينئذ من التعامل بسوء الظن
    وحينها ستنفع مثل هذه القوانين كثيراً
    الدولة الكريمة هي التي تتعامل مع رعاياها بكرامة
    لا عبر النُظُم الاجتماعية التي نعيشها
    فهذه النظم القائمة في مجتمعنا تشبه في أغلبها النظام الرأسمالي
    والنظام الرأسمالي لا يمنح الإنسان ما يستحقه من القيمة
    بل يمنحها لرأس المال والثروة، والأشخاص إنما يقيّمون فيه بثرواتهم
    على أنه يدور في الأنظمة الرأسمالية كلام عن الأخلاق إلى حد ما
    لكن ما هي النتيجة النهائية التي تلاحظونها في هذه الأنظمة؟
    ما أبشع ما يرتكبونه من جرائم!!
    وساسة هذه المجتمعات الرأسمالية، وهم نواب شعوبهم
    والممثلون لكل فضائلها ورذائلها
    لاحظوا أي حروب أشعلوها خلال المائة سنة الأخيرة!
    وأي جرائم ومجازر اقترفوها!
    بل وأين وصلوا على مستوى الأفراد أيضاً؟!
    بدءاً من تلاشي الأسرة وحتى.. معظم القيم الإنسانية
    فلا نريد أساساً تقييمهم على أساس الدين
    فهذه الخصائص التي تمتاز بها دولة الإمام صاحب الزمان(ع)
    هي مما يتيح لنا وصفها "بالدولة الكريمة"
    والنموذج من الدولة الكريمة علينا رؤيته في دولة أمير المؤمنين علي(ع)
    فكم كان(ع) يتعامل بالمماشاة مع المنافقين!
    والنموذج الآخر للدولة الكريمة علينا مشاهدته في دولة رسول الله(ص)
    فكم كان(ص) يعامل الآخرين بكرامة وسعة صدر!
    على أن سعة الصدر والكرامة هذه تحديداً أدّتا إلى ظلامته أيضاً
    وعلينا جميعاً أن نتنبّه إلى ضرورة عدم التمهيد، في الدولة الكريمة
    لأسباب ظلامة إمام هذه الدولة، أو رؤسائها، أو متولّي الأمور فيها
    عبد الله بن اُبَيّ، المنافق الشهير، الذي فيه نزلت سورة "المنافقون"
    وهذا ما تُجمع عليه مذاهب المسلمين جميعاً
    لكنه حين مَرِض جاء ابنُه - كما في رواية - إلى رسول الله(ص)
    وترجّاه أن يأتي لعيادة أبيه
    وكان أبوه ممّن يعلم الجميع بنفاقه!.. فذهب رسول الله(ص) لعيادته
    بل وقال له ابنُه: «يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لَهُ» وادعُ له
    «فَاسْتَغْفَرَ لَهُ» النبي(ص)
    فانزعج أحد أصحاب النبي(ص)، بل واعترض عليه بخشونة
    لكن رسول الله(ص) ردّ عليه
    قال له الشخص: «أَلَمْ يَنْهَكَ اللهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ.. تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ»
    وأنك إن استغرفت لهم فلن يستجيب الله دعاءك؟!
    فأوضح له رسول الله(ص) أن الله لم ينهني عن الاستغفار
    بل قال: «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ... فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُم»
    ولقد استغفرتُ له ولن يستجيب الله استغفاري!
    هذا التعامل الكريم أدى، من ناحية، إلى تعرض دولة النبي(ص) للظُلامة
    ودولة أمير المؤمنين(ع) أيضاً
    ولا ينبغي لهذه الظُلامة أن تقع على دولة صاحب الزمان أرواحنا له الفداء
    نحن نطالب بدولة كريمة لا تقع فيها حتى هذه الظلامة
    فلو افتُرض أن تقع هذه الظلامة لهذه الدولة الكريمة أيضاً
    لما كان لانتظار الفرج من معنى!
    ففي أي زمان تُقام هذه الدولة وتتعامل بكرامة فستتعرض للظلم
    فالإمام(عج) سينتظر ليقيم الدولة في زمنٍ..
    أو إن الله تعالى سيُصدر أمر الفرج في وقتٍ
    لا تقع الظُلامة على هذه الدولة رغم كونها كريمة
    لا بد من إطالة التفكير في الدولة الكريمة
    ففيما يتصل بهذه الدولة النورانية، وكيف ستتجلى كرامتُها في نُظُمها
    وفي أسلوب إدارة مجتمعها، وفي نمط حياة شعبها
    لا بد من التمرُّس بكثرة
    لا شك أن هذه الدولة بعيدة جداً عن نمط حياتنا الحالي
    فنمط حياتنا هو في الغالب مُستنسَخ من "دول غير كريمة"!
    قوانيننا إسلامية إلى درجة كبيرة
    لكن أغلب نُظُمنا تشكّل في مجموعها وتفرض على حياتنا هيكلية
    تتنافى مع الحياة الكريمة للإنسان
    آمل أن يدفعنا هذا الدعاء في ليالي شهر رمضان المبارك
    إلى التأمل في تلك الدولة الكريمة
    وإلى فهم دولة الإمام(عج) بمزيد من الواقعية.. أن نعُدّها واقعاً
    وأن نفكر في كيفية حُكمِه(عج)
    فإن دعونا - بعد هذا - للفرج فلا بد أن يكون دعاؤنا أقرب للإجابة.