المجموعة اللبنانية للإعلام
قـــــنــــاة الـــــمنــــار

الحبل المتين - التسلسل في دعاء الإفتتاح

  • شارك
  • تاريخ الحلقة
    2019-05-09
  • التقييم
  • موضوع الحلقة
    لا بد من النظر إلى شهر رمضان المبارك بوصفه شهراً مهدويّاً
    فمن بين جميع الروابط التي في أذهاننا لهذا الشهر
    علينا أن نقيم لارتباطه بصاحب الزمان(عج)
    وصِلَته بظهوره وتمنّي فرَجه(عج) وزناً خاصاً
    حتى إذا شاهد أطفالنا من حولنا تصرفاتِنا وأحاسيسَنا وكلامَنا
    قالوا: لماذا يُكثِر أبوانا، أزيد من غيرهم
    من ذكر صاحب الزمان(عج) في شهر رمضان المبارك؟
    ويدعوان للفرج في هذا الشهر أكثر من غيره من الأوقات؟
    وإن أحد الأدعية النفيسة للغاية والذي يرسم لنا هذا الطريق
    هو دعاء الافتتاح.. فهو ينطوي على آداب الدعاء بحذافيرها
    ودعوني بدايةً أنقل لكم بعض هذه الآداب
    كما جاءت في روايتين عن الإمام الصادق(ع)
    فقد روي عنه(ع) قوله: «إِذَا أَرَدْتَ‏ أَنْ‏ تَدْعُوَ اللهَ فَمَجِّدْهُ وَاحْمَدْهُ وَسَبِّحْه..»
    إلى قوله: «وَصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ(ص) ثُمَّ سَلْ تُعْطَ» ومن ثم اسأل الله حاجتك
    وقد رُوعِي هذا التسلسل في دعاء الافتتاح بكل دقة
    فهو يبدأ بالحمد والثناء على الله
    ثم الصلاة على النبي الأعظم(ص) وأولياء الله(ع)
    أما الجزء الثالث منه
    فيقتصر على الدعاء لفرج المولى(عج) والاستفادة من وجوده المقدس
    إذن باستطاعتنا، على هذا الأساس، أن نعُدّ الأجزاء الأولى من الدعاء
    المتضمنة لحمد الله والثناء عليه
    وما يتلوها من الصلاة على رسول الله(ص) وأهل بيته(ع)
    - باستطاعتنا أن نعُدّها مقدمة ونقول: لقد وُضع دعاء الافتتاح أساساً
    لطلب الفرج ورسم معالم حُكم الإمام(عج) من خلال الدعاء
    ثم توطيد الصِلَة معه أرواحنا له الفداء
    ولذا، واستناداً إلى أدب الدعاء، يتعيّن القول:
    إن أصل الدعاء والطلب الموجود في دعاء الافتتاح
    هو طلب يتصل بصاحب العصر والزمان(ع)
    وهاكم رواية أخرى في هذا الصدد:
    «إِنَّمَا هِيَ الْمِدْحَةُ ثُمَّ الثَّنَاءُ ثُمَّ الإِقْرَارُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ الْمَسْأَلَة»
    يقول(ع): لا بد من التسلسل بالدعاء على هذا النحو
    فلا بد بدايةً أن نمدح الله ونثني عليه
    ثم نُقرّ بالذنب ونناجي ربنا في هذا الصدد
    ومن ثم نتعرّض للمسألة وندعو بما أردنا
    وإذا تمعّنتم في هذا الترتيب لرأيتم أيضاً أن دعاء الافتتاح قد راعاه بالدقة
    فهو يشرع بحمد الله والثناء عليه، ثم يليه الإقرار بالمعاصي
    ففي الدعاء مناجاة تتخلل عبارات الحمد والثناء
    وهي مناجاة حول الذنوب والاستغفار منها
    ومن ثم تعرض مسألتك على الله كما يخبر الإمام الصادق(ع)
    حسنٌ، المسألة الوحيدة المطروحة في دعاء الافتتاح
    هي الدعاء للفرج
    والدعاء للارتباط بصاحب الزمان(ع) والنهل من وجوده
    ومن اللافت أنكم في الدعوات المرتبطة بالإمام المهدي(عج)
    في القسم الثالث من دعاء الافتتاح، لا تجدون دعاءً للفرج فحسب
    بل الكلام حول الاتصال بالإمام(ع) في زمان الغيبة
    والنفع الذي علينا الآن أن نجنيه من وجوده المقدس وإن كان في غيبة
    فحتى في هذا المجال هناك في هذه الفقرات من الدعاء دعوات قيّمة أيضاً
    إذن بإمكاننا القول، تأسيساً على هذا، إن دعاء الافتتاح
    هو دعاء لفرج المولى(ع).. ودعاء لتمني الظهور..
    ودعاء للارتباط بصاحب الزمان(عج) والانتفاع من وجوده
    خلال ليالي شهر رمضان المبارك
    وباستطاعة هذا الدعاء، وبجدارة
    أن يجعل من شهر رمضاننا المبارك شهراً مهدوياً
    وسنتعرّض في الحلقات القادمة أكثر لموضوع أنه:
    أساساً لماذا ينبغي لعباداتنا، ولاسيما شهر رمضاننا المبارك
    أن يكون مهدوياً؟
    ولِمَ لا بد للمغفرة التي نتلقّاها من الله أن تكون مهدوية؟
    إن في ما ورد في مطلع الدعاء من الحمد والثناء على الله
    التفاتات قيّمة علينا أن لا نمرّ عليها مرور الكرام
    فإن الحمد لله تعالى يتجلى في الدعاء وفي حياتنا اليومية بصورتين
    فتارة قد نحمد الله على ما أسبغ علينا من نعمة
    والحمد هنا يقترب أكثر ما يقترب من معنى الشكر
    وما مدى قيمة الشكر للمؤمنين؟
    هذا واضح إذا استطاع امرُؤٌ أن يجعل أساس عبوديته لله الشكر
    ما معنى هذا؟ يعني قولك: بما أنك يا إلهي وهبتني هذه النعم
    وأنني مَدين لك.. فإني أود عبادتك
    أي إن دافعه للعبودية يرتبط بالماضي لا بالمستقبل
    إن دافعه للعبودية هو شكرُه اللهَ سبحانه على أصل خَلقِه، وأصل هدايته
    وهذه هي أرقى صنوف العبادة
    فهي أسمى من أن تعبد الله طمعاً في جنته.. أو نجاةً من ناره
    وإن عيشاً كهذا هو عيشٌ من نمط آخر، فهو حقاً مشحون بالإبداع
    وهو يبدد اضطراب الإنسان
    فحمد الله إذن يصدر منّا تارة شكراً لله على ما أنعم به علينا
    على أنه، تارة أخرى، يصدر منا من أجل صفات الله
    وعلى خلفية ما حدث في عالم الخلقة على يده عز وجل
    فنُجري صفات الله على ألسنتنا ونحمده
    وهنا يقترب الحمد من الثناء
    ولا بد أن أقدم هنا توضيحاً مقتضباً
    فما كل قلب يستطيع أن يلهج دوماً بحمد الله والثناء عليه
    فبعض القلوب أشد تكبّراً من أن تتملق اللهَ بسهولة
    ففي الدعاء: «وَلا كَفَفْتُ عَنْ‏ تَمَلَّقِك» لا كففتُ عن حمدك والثناء عليك
    البعض لا يخاطب الله إلا بمقدار الضرورة!
    الضرورات التي يدركها على أية حال، كسؤاله لله أو أي شيء آخر
    لكننا قد أُوصِينا باستهلال الدعاء بالحمد والثناء لله تعالى
    لاحظوا، مثلاً، أول عبارات الحمد في الدعاء:
    «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً»
    فالداعي هنا يحمد الله ويثني عليه من منطلق وحدانيته تعالى
    «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً»
    فهو يحمد الله على الإله الذي هذه صفته
    «الْحَمْدُ لِلهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا»
    وهنا يتوجه بالحمد، شيئاً فشيئاً، نحو النِّعَم
    ثم يحمد حمداً آخر له معنى يشبه الثناء على الله
    «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لا مُضَادَّ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلا مُنَازِعَ لَهُ فِي أَمْرِهِ»
    يبيّن عظمة الرب.. عظمة الله تعالى.. ثم يحمده
    ولا بد أن يكون المرء قد توغّل في العبودية جداً ليلهج لسانه بهذا الحمد
    ولا بد أن يكون في منتهى الصِّغَر والتواضع أمام رب الكون
    أو يكون رأى عظمتَه بوضوح والتذّ بها كي يتفوّه لسانه بمثل هذا الحمد
    فليكن في علمنا أن الأنانيين عاجزون عن حمد ربهم
    يقولون: هو هكذا على أية حال.. ما عسانا نحن نقول؟!
    هم لا يستشعرون ضرورته
    المتكبّرون لا يقدرون على المبالغة في مدح رب العالمين تواضعاً
    هم يُحسنون امتداح أنفسهم أفضل بكثير
    فإن أثنى عليهم الآخرون التذّوا.. لكنهم لا يلتذون بالثناء على ربهم
    إنها لمرتبة عالية جداً من مراتب العبودية أن يلتذ العبد بمدحة ربه
    والحمد هنا هذا هو معناه.. وهو: إلهي، أنا ألتذ حينما أُطري عليك
    فالأمهات يشعرن بلذة بامتداح أطفالهن
    والأطفال حين يزداد تعلقهم بأبويهم يستمتعون بامتداحهما أمام أقرانهم
    ويا ليتنا أيضاً نلتذ بالثناء على الله
    يا ليتنا نستمتع إذا امتدح شخصٌ اللهَ أمامنا
    أنحن متعلقون بربنا كتعلق الأطفال بأبويهم؟!
    البعض يكوّن علاقة مع الله يقوم معظمها على المنفعة.. وعلى الأنانية
    إنه غارق في عالمه.. ولا يطرق باب الله إلا بمقدار الضرورة!
    هؤلاء غير قادرين على النطق بحمد الله والثناء عليه
    إذن الحمد على نوعين: الأول هو الحمد إذا وُهِبنا نعمة
    والآخر حين يطري المرء على مَواطِن جمال الله عز وجل، ويثني عليه
    ويمتدح هذا الجلال والعظمة اللذين لله تعالى وكذا صفاته عز وجل
    نسأل الله أن يجعلنا ممَّن يلتذّ بحمده
    وممن يدرك النِّعَم بحيث لو أردنا عبادته عن أنانية أيضاً
    لشكرناه على قدر أنعُمه على الأقل
    ففي مطلع دعاء الافتتاح هذا وبعد بدايته بقليل
    يقول: «فَاسْمَعْ يَا سَمِيعُ مِدْحَتِي، وَأَجِبْ يَا رَحِيمُ دَعْوَتِي»
    وهو ما أشرنا إليه في الحلقات السابقة، وهو يذكّر بالمناجاة الشعبانية
    «وَأَقِلْ يَا غَفُورُ عَثْرَتِي» إلهي، أنهِضني من سقطاتي
    وكأنه يريد إزاحة هذه الأمور جانباً كي يتسنى له البدء بالمناجاة
    وهنا يخطر في ذهن المرء دعاء كميل وألوان الاستغفار في بدايته
    ومن ثم الحمد، وبلسان آخر:
    «فَكَمْ يَا إِلَهِي مِنْ كُرْبَةٍ قَدْ فَرَّجْتَهَا..» أي كم من آلام قد أزَلتَها
    «وَهُمُومٍ قَدْ كَشَفْتَهَا، وَعَثْرَةٍ قَدْ أَقَلْتَهَا، وَرَحْمَةٍ قَدْ نَشَرْتَهَا
    وَحَلْقَةِ بَلاءٍ قَدْ فَكَكْتَهَا»
    فكم هو رائع أن يعمل الإنسان في مستهل مناجاته مع ربه
    على تحلية ذائقته.. وترطيب روحه.. بهذه الأقوال والأفكار الإيجابية
    بهذا الشعور الإيجابي تجاه الله
    فالبعض يأتي ليناجي ربه مع أنه لم يكوِّن معه أي علاقة حميمة
    ولم يتفوّه بكلمة بخصوص هذه العلاقة
    فلنتعلّم من الأدعية المأثورة.. ومن طريقة الدعاء التي أوصونا(ع) بها
    ومن أسلوب دعاء أولياء الله(ع)
    ولنعمل، في مستهل الدعاء، على إقامة علاقة حميمة مع الله
    ولنُكثر من ذكر ألوان محبته تجاهنا حتى تلين أفئدتُنا
    وتنطلق ألسنة الكائنات مع ألسنتنا
    ويأخذ كل مَن حولنا وما حولنا في الوجود بالدعاء معنا مقتدين بنا
    فهؤلاء دائمو التسبيح لله تعالى
    فينبغي أن يبتدئ الدعاء بذكر أنعم الله تعالى
    فإنّ على مَن يحب أن يأخذ شيئاً من الله تعالى
    أن يملأ المسافة بين مقام الله بكل عظمته وبين الحقارة التي فيها الدّاعي
    ـ أن يملأها بالحمد.. وبالثناء على الله
    نسأل الله أن تستقر عظمة الباري عز وجل في قلوبنا
    وأن يدفعنا الخوف من مقام الرب إلى إظهار هذه المحبة
    كي نتقرب قليلاً من حضرته سبحانه.. ومن ثم ندعو لفرج مولانا(عج)