المجموعة اللبنانية للإعلام
قـــــنــــاة الـــــمنــــار

خطوط الصراع - الصراع على ليبيا

  • شارك
  • تاريخ الحلقة
    2020-07-16
  • التقييم
  • موضوع الحلقة
    - كيف نستطيع أن نفهم انقسام المحاور في الصراع على ليبيا؟
    بداية قبل التطرق إلى الساحة الليبية بشكل خاص، ينبغي أن نركز على نقطة أنه منذ عام 2010 هناك نظام إقليمي قيد التشكل. هو لم يرسُ على شكل نهائي، بالتالي المحاور ما زالت ترتسم وتصطف، وهناك في هذا الوقت، من هنا إلى أن يرتسم هذا النظام الإقليمي بشكل كامل، هناك الكثير من المحاور المتقاطعة وأنصاف المحاور، هناك الكثير من الإتفاقات التكتيتية والتقاطعات التكتيتية. بالتالي هذا الشيئ يؤدي إلى اختلاط الصورة نوعا" ما لأنه –كما قلنا- هناك نظام إقليمي قيد التشكل، النظام الإقليمي القديم مات، هذا واضح، ولكن الجديد لم يولد بعد.

    - اختلاط هذه الصورة، كيف يمكن أن نوضحها بالشرح على الخارطة لهذه المحاور المنقسمة في الإقليم؟
    نعم، ينبغي أن نركز على ليبيا. طبعا" المقدمة أعتقد أنها كانت موفقة للغاية بالتأكيد على موقع ليبيا في الوطن العربي، في المنتصف تماما"، هي تفصل بين المشرق العربي والمغرب العربي. طبعا" إذا كانت الخريطة أكبر أي تغطي الوطن العربي، فسنشرح بالضبط أن ليبيا –هي في الواقع- تشكل فاصلا" جغرافيا" كبيرا" بين المنطقتين. طبعا" ليبيا مساحتها مليون و760 ألف كلم مربع، يعني هي أكبر من مصر بنسبة 67 % تقريبا" وهي نسبة كبيرة. وهي بنفس الوقت تعرف فراغا" ديموغرافيا" داخليا" باعتبار عدد السكان القليل. بالتالي هي نقطة حساسة جدا" ونقطة حاكمة في المنطقة سواء في ما خص الوطن العربي أو فيما خص منطقة شرق المتوسط. هذا الشيئ واضح جدا". بالتالي هناك اهتمام من كل المحاور بأن يكون لها هذا الدور الكبير في المنطقة. طبعا" نبدأ بمصر، مصر بالنهاية هي الجار الأكبر لليبيا، ولديها أطول حدود معها ما يقارب 1700 كلم إذا لم تخني الذاكرة. هناك تداخل ديموغرافي عبر وجود القبائل العابرة لطرفي الحدود. هناك أيضا" الجالية المصرية الكبيرة في ليبيا، وهناك المعرفة القريبة لمصر بالواقع الليبي بشكل قريب وعن كثب. هناك أيضا" تركيا، هناك الجانب الآخر على البحر الأبيض المتوسط، بالنهاية هي في حالة صراع مع مصر، يعني شيئ متعلق بالمحاور من خلال أن تركيا تريد أن تلعب ورقة الإخوان المسلمين بتحالفها مع كل فروع جماعة الإخوان المسلمين. في 30 من يونيو هزمت تركيا في مصر مع سقوط مشروع الإخوان المسلمين حيث تحولت تركيا إلى لعب دور حصر الخسائر، ينبغي أن لا ننسى هذا بأنه –عندما خسر الإخوان المسلمين الحكم في مصر- كانت النتيجة أن حزب النهضة خسر الأغلبية الإنتخابية في تونس، خسر الرئاسات الثلاث، لا ننسى أن حزب النهضة في وقت معين كان من خلال الترويكا المتحالف معها يسيطر على الرئاسات الثلاث في تونس. أيضا" خسر الإسلاميون الإنتخابات في طرابلس. يعني الآن نسمع عن مجلس النواب الليبي في طبرق، أحيانا" يقال في طبرق وأحيانا" يقال في بنغازي وأحيانا" يقال في الشرق الليبي. هو في الواقع فاز في الإنتخابات في طرابلس لكن المجموعات المسلحة حجزت الكثير من الإخوانيين والسلفية طردته إلى الشرق الليبي، طبعا" مع تعقيدات قبلية ربما لا نريد أن نغرق فيها كثيرا". بالنهاية تركيا متحالفة مع قطر. مصر تجد ورائها المحور السعودي الإماراتي. المحور السعودي الإماراتي ينطلق من حسابات أن الإخوان المسلمين قادرون على تهديد الحكم السعودي والحكم الإماراتي في الداخل.

    - كيف يمكن ذلك؟
    هذا هو الفهم السعودي الإماراتي، أنه من خلال ما يسمى بالصحوة الإسلامية هناك الكثير من المكونات الإخوانية. السعودية –في نهاية المطاف- هي التي رعت الصحوة الإسلامية من خلال صراعها مع النظام الناصري في وقت من الأوقات، وهذا شيئ عادل الجبير يتحدث عنه في واشنطن بمنطق المفاخرة. هذه الصحوة الإسلامية -التي الكثير من مكوناتها هي إخوانية- رعتها السعودية، رعتها الإمارات. هناك تقرير إماراتي يشير إلى أن أغلب المناهج الدراسية في الإمارات قامت عناصر إخوانية غير إماراتية بكتابتها، ولا ننسى أيضا" الخلية الإماراتية الإخوانية التي اتُهمت بأنها تحاول الإطاحة بنظام الحكم في الإمارات. بالتالي، السعودية والإمارات هما هنا خلف مصر من أجل إطاحة النظام الإخواني باعتباره تهديدا" لعرش العائلتين الحاكمتين آل نهيان وآل سعود. هذا الشيئ واضح. من ناحية أخرى، هناك دول لها مصالح أخرى أي دول جنوب المتوسط، طبعا" في التقرير مرت ملاحظة مهمة جدا" على الثروة النفطية الليبية الكبيرة. الثروة النفطية الليبية هي من نوعية جيدة، آبار النفط هي موجودة بشكل قريب من الساحل الليبي طبعا" إذا قارناها بالجزائر نحن نتحدث عن "حاسي مسعود" الموجودة في عمق الصحراء الجزائرية. هنا في ليبيا، آبار النفط موجودة قريبة من الساحل الليبي، أيضا" النفط الليبي يوجد قريبا" من السطح بمعنى أن فكرة استخراجه سهلة. بالتالي هذه المسألة مهمة جدا". هناك شيئ أُضيف إلى كل هذه الخارطة، والآن الخارطة أصبحت مليئة بالأسهم وما إلى ذلك، واقعا" هي مليئة بالتعقيدات. هناك مسألة الغاز في الشرق المتوسط. الغاز بمعنيين: الأول هو احتياطيات الغاز الموجودة في المنطقة، والثاني هي خطوط الغاز لأن هناك مشكلة كبيرة تتعلق بالغاز الطبيعي. في النفط، يمكن أن تستخرج النفط وأن تمد أنبوب نفط إلى أقرب ميناء وتقوم بتصديره عبر حاملات النفط أو ربما تكون هناك طريقة للربط بين دول التصدير ودول الإستهلاك عبرخطوط الأنابيب الطويلة. أما الغاز فهناك مشكلة كبيرة تتعلق بنقله، هناك احتمالان: إما أن ينقل الغاز بعد تسييله وهذا يتطلب وجود معامل تسييل، وهذه المعامل تكلفتها كبيرة، الجانب الآخر هو أن تكون هناك خطوط طويلة لنقل الغاز. هذه الخطوط هي عادة صعبة، هي تعبر بالعديد من الدول، بعديد من البحار.

    - ما هي ميزة ليبيا بما يخص الغاز؟
    ميزة ليبيا أنها موجودة في هذه المنطقة، هنا في لبنان، في السواحل الفلسطينية، في السواحل السورية، في السواحل القبرصية، في السواحل المصرية هناك ثروات كبيرة من الغاز ينبغي نقلها إلى أوروبا باعتبار أن أوروبا من أكبر مستهلكي الغاز في العالم. هناك حاليا" روسيا التي تزود الإتحاد الأوروبي ب 40 % من حاجاته من الغاز، وفي نفس الوقت أوروبا تبحث عن استقلالها الطاقي بمعنى ألا تبقى مرتهنة فقط للمصدر الروسي. بالتالي ظهر شيئ اسمه منتدى غاز شرق المتوسط.

    - من يضم هذا المنتدى؟
    يضم كلا من مصرواليونان وإيطاليا وإسرائيل وقبرص. هذه الدول تريد أن تدخل هذا النادي من خلال خط للغاز ينتقل عبر البحر المتوسط ثم ينتقل إلى أوروبا.

    - هذا النادي وبسبب تشكيله، كان الإتفاق ما بين تركيا وحكومة الوفاق لكسر هذا التحالف؟
    طبيعي، هنا ينبغي التوقف قليلا" عند هذه النقطة، هذا المنتدى يهدد طرفين في المنطقة: الطرف التركي لأن تركيا لديها مشروع أن تكون معبرا" إلزاميا" لمرور الغاز الروسي وأيضا" من خلال إنتاجها الخاص، وبالتالي تعتبر تركيا عقدة مواصلات وعقدة نقل للغاز الطبيعي.

    - لماذا تعتبر تركيا جغرافيا" هي عقدة لنقل الغاز إذا أردنا أن نوضح العلاقة؟
    طبعا" تركيا هي تريد هذا الموقع، هي بالنهاية تنطلق من أن لها موقعا" استراتيجيا" في هذه المنطقة. هناك البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود، بالتالي هي تريد أن تكون المعبر الإلزامي لمرور الغاز الروسي القادم من هناك والغاز الذي ينتج في المنطقة، ينتج في لبنان، ينتج في إسرائيل، لا ننسى أنها عرضت على إسرائيل أن تنقل غازها، وبالتالي يكون هذا الخط التركي هو الخط الأساس الذي يمرر الغاز الطبيعي من تركيا إلى أوروبا ومن المنطقة إلى أوروبا إذا صح التعبير.

    - لتحقق تركيا هذا الهدف، كان لا بد لها من دخول ليبيا، لكن لنتحدث عن روسيا، أنت تفضلت وقلت روسيا. روسيا لماذا تتواجد في ليبيا؟
    ما يهم روسيا هو أن تتم عرقلة مشروع مندى غاز المتوسط لسببين: السبب الأول أن روسيا ترغب في أن تبقى المسيطر على الأمن الطاقي في أوروبا لأن هذه ورقة سياسية وليس ورقة اقتصادية فقط. هي ورقة قادرة على تشكيل خريطة المنطقة. من ناحية أخرى، روسيا تريد أن تكون لها اليد العليا في نقل غاز شرق المتوسط. بالنهاية روسيا موجودة هنا في سوريا، على البحر الأبيض المتوسط، هي حاولت وتحاول أن يكون لها مساهمة في استخراج الغاز الطبيعي في لبنان. هي بالنهاية لديها حلفاؤها في المنطقة، لا ننسى العامل الأورثوذكسي بالنسبة لحلفاء روسيا في المنطقة أي اليونان وقبرص. وبالتالي روسيا تعمل أيضا" بلا كلل لأن تشكل نظاما" إقليميا" في الإقليم يسمح لها بأن تكون الطرف الذي ينقل غاز المنطقة بكامله إلى أوروبا.

    - يعني وجهة روسيا الآن نحو المتوسط؟
    نعم طبيعي. بما أن المنافس الأول للغاز الروسي هو غاز شرق المتوسط، تحاول روسيا أن تطرح نفسها كضامن لكل الأطراف. حتى لا ننسى أن لها علاقات تعتبر أنها متوازنة مع كل الأطراف، مع مصر، مع إسرائيل، مع سوريا، مع لبنان، مع إيران، مع تركيا، مع كل المنطقة. روسيا تريد أن تقول أنها في الموقع الوحيد صديق الجميع والذي يمكن أن يدخل شريكا" اقتصاديا" للجميع، ويكون هناك خط الغاز تحت الرعاية الروسية. بالنسبة لتركيا، من المفيد هنا أن نشير إلى ما يسمى باتفاقية الحدود بين حكومة الوفاق وتركيا. يعني تركيا حاولت أن تقول أن هنا تركيا وهنا ليبيا وسنقوم بترسيم الحدود بين البلدين بطريقة يتم فيها تقاسم حصص الغاز الموجودة في المنطقة. طبعا" ينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه الإتفاقية لا تستطيع أن تصمد، لماذا؟ لعدة أسباب: السبب الأول أن حكومة الوفاق هي أصلا" حكومة مؤقتة، حكومة انتهت مدة صلاحيتها. صحيح أنها معترف بها من الأمم المتحدة لكن حين يصل الأمر إلى عقد اتفاقات دولية هي غير ذات سلطة باعتبار أن مجلس النواب هو في منطقة أخرى وهو في موقع آخر فهو يرغب بترسيم الحدود بشكل طبيعي مع اليونان وليس مع تركيا بسبب أنه –حسب قانون اتفاقية البحار- هناك مبدآن تحاول تركيا أن تخرقهما: المبدأ الأول، ترسيم الحدود يكون بين الدول المتشاطئة أي الدول المتقابلة. في هذه الحالة ليبيا تقوم بترسيم حدودها مع اليونان لأنهما متقابلتان وإلا ما الذي يمنع مثلا" أن لبنان يرسم حدوده مع تركيا، أو أن مصر ترسم حدوده مع إيطاليا؟ بالنهاية هذا الشيئ غير ممكن. الحدود البحرية يتم رسمها بين الدول المتقابلة. من ناحية أخرى، تركيا تحاول أن تقفز على مبدأ موجود في قانون اتفاقية البحار وهو من أهم القوانين الموجودة والمكونة للقانون الدولي. في الماضي، كانت هناك 4 قوانين ترسم للدول مياهها الإقليمية ومناطقها الإقتصادية الخالصة. بعد الكثير من المباحثات، استطاع المجتمع الدولي أن يصل إلى هذا القانون، وهو قانون جامع وتفصيلي للحقوق البحرية لكل دولة. هذا القانون ينص على أن كل الجزر بما فيها الجزر الغير مأهولة لكنها قابلة لأن تكون مأهولة مستقبلا"، يمنحها القانون الدولي حقها الطبيعي في أن تكون لها مياه اقتصادية وحقوق اقتصادية خالصة. تركيا تحاول القفز على كل الجزر اليونانية الموجودة في بحر إيجه والموجودة في البحر المتوسط وعلى رأسها مثلا" جزيرة كريت، هي واحدة من أكبر الجزر الموجودة في البحر الأبيض المتوسط. تحاول أن أن تجادل وأن تقول بأن هذه الجزر لا تتمتع بأي حقوق وبأي مياه اقتصادية خالصة. وطبعا" هذا الشيئ لن تسمح به أي دولة من دول العالم.

    - نحن نتحدث عن تركيا، ما هو الموقف الأوروبي من الصراع على ليبيا؟ يعني نحن نشاهد هناك إيطاليا كان لها موقف وأيضا" فرنسا كان لها موقف من هذا الصراع. ما هو الموقف الأوروبي بشكل عام من حكومة الوفاق ومن الصراع بشكل عام؟
    بالنهاية الموقف الأوروبي قريب من منطق أنه يجب أن تكون هناك تسوية في ليبيا، يجب أن يكون هناك حل سياسي في ليبيا، أن يكون هناك إرضاء لكل الأطراف بطريقة لا تهدد الأمن الأوروبي باعتبار أن ليبيا قريبة من قلب المتوسط وأن موجات من الهجرة ربما تشكل خطرا" أمنيا" وخطرا" اقتصاديا" على أوروبا، من الناحية الأمنية وأيضا" من ناحية تصاعد اليمين الأوروبي وهو ما يهدد وجه أوروبا وما يهدد المشروع بكامله. بالتالي، تهتم أوروبا بأن يكون هناك حل سياسي في ليبيا، وألا تتحول ليبيا -كما كادت أن تتحول- إلى بؤرة لتنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية. من ناحية أخرى، أوروبا حريصة على مشروع منتدى شرق المتوسط باعتبار أن هناك دول أوروبية أعضاء في هذا المنتدى، وهذا المشروع يحقق لأوروبا نوعا" من الإستقلالية إزاء أحادية التصدير الروسي. هذا جانب مهم. من الجانب الآخر، من الواضح أن الدول الأوروبية لا توافق على التوغل التركي في المنطقة، وشاهدنا حتى مجموعة من الصدامات وتحرشات عسكرية بين الدول هي جميعها تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي، رأينا السفير التركي في باريس يحاضر في مجلس الشيوخ ويقول أن تركيا لعبت دورا" مهما في حلف شمال الأطلسي وأنها لعبت حارسا" لأوروبا من خلال حدها الجنوبي والشرقي في وجه الإتحاد السوفياتي وأنها لا تريد أن يخسرها حلف شمال الأطلسي.

    - نستطيع أن نقول أن هناك تصارع أو صراع بين حلف الناتو لأننا نشاهد إيطاليا وفرنسا وتركيا كلهم أعضاء في هذا الحلف ولكن في نفس الوقت يتصارعون على ليبيا؟
    طبيعي هناك تصادم، بالنهاية هناك طموحات تركية لا توجد دولة في المنطقة مستعدة للقبول بها. هنا من المهم الإشارة –ما دمنا تطرقنا إلى موضوع الحدود البحرية- إلى أن تركيا في السنوات الأخيرة بعدما تعرقل مشروع العثمانية الجديدة وخسرت في سوريا وخسرت في العراق وخسرت في مصر وخسرت في كل هذه المنطقة، ظهر مشروع جديد في تركيا وأصبح جهابذة العلوم السياسية في تركيا يرجون له، وهو الحديث عن الوطن الأزرق. شيئ شبيه بإسرائيل. عندما سقط مشروع إسرائيل العظمى في التسعينيات باعتبار أن إسرائيل غير قادرة على السيطرة على مساحات كبيرة، كان البديل هو إسرائيل العظمى. الآن تركيا تحاول أن تطرح نفسها كقوة بحرية تسيطر على مساحات كبيرة من البحر الأبيض المتوسط، يعني هي تحاول أن تعدل الحدود البحرية مع اليونان لأن اليونان –كما هو واضح- منحته القسمة غالبية الجزر في بحر إيجه. تركيا تحاول أن تقول أن بحر مرمرة هو بحر تركي بالكامل. هناك أيضا" البحرالأسود، تركيا تحاول أن تقول أنها هي القوة الكبرى في البحر الأسود، من هنا نفهم صدامها مع روسيا حول جزيرة القرم. بالتالي هذه الطموحات التركية تشكل –في مكان ما- تهديدا" لكل دول الجوار سواء الجوار العربي أو الجوار الأوروبي لتركيا.

    - في الآونة الأخيرة كان الصراع منذ مطلع العام 2020. الآن نسمع أن مصر رسمت خطوط حمراء للصراع في ليبيا وقالت أن الوصول إلى مدينة سرت هو الخط الأحمر الذي رسمته. لماذا رسمت مصر هذا الخط تحديدا" ولماذا مدينة سرت؟
    في هذه الوضعية، نفهم مسألة مبدأ الخط الأحمر بأنه من باب الحد من الخسائر. في وقت من الأوقات، حينما بدأت حركة الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، كان متمركزا" حوالي طبرق أي في أقصى الشرق الليبي غير بعيد عن الحدود المصرية وكان يحظى بإسناد من الجيش المصري عبر الحدود. شيئا" فشيئا"، تمكن من التمدد عبر الغرب ، كانت بنغازي محطة رئيسية، وهو –بالمناسبة- بقيت معاركه في بنغازي لأكثر من سنة. لم تكن المعركة سهلة. بعد ذلك دختل مجموعة كبيرة من المعارك، مجموعة كبيرة من التحالفات القبلية دخلت، هناك عوامل دولية، تم استمالة مجموعة من التحالفات القبلية، حتى المجموعات السلفية استخدم بعضها النفوذ السعودي. هو ربما تناسى أن هناك أسرتين في الخليج العربي تعتنقان المذهب الوهابي، وبالتالي كان من الطبيعي أنه في مرحلة من المراحل تدخلت قطر وبعض المنازل السلفية وقلبت المشهد. بالنهاية في السنة الأخيرة، وصلت طلائع الجيش الليبي إلى 15 كلم فقط من منتصف طرابلس، يعني هو دخل الحدود الإدارية لمدينة طرابلس، وكانت وقتها حكومة الوفاق تخوض معركة البقاء أو معركة النفس الأخير. حصلت عدة أحداث –ربما إذا كان الوقت يسمح أن ندخل في بيانها- أنه بالنهاية خسر المعركة وتراجع شيئا" فشيئا". خسر مدينة غريان، خسر مدينة صبراتة، خسر قاعدة الوطى العسكرية وهي قاعدة مهمة. بالتالي، أصبح الهلال النفطي مهددا". هنا دخلت تركيا عسكريا". الدخول التركي العسكري كان عبر المرتزقة السوريين، عدد من نقلتهم إلى ليبيا يفوق 17 ألف مسلح من إدلب إلى ليبيا. بالنهاية، عندما انهارت خطوط دفاع الجيش الليبي في الغرب الليبي، كان هناك القرار المصري أن يتم رسم خط أحمر هنا عند سرت وأنه هنا تقف المعركة ويجب تجميد خطوط القتال وليعود الجميع إلى طاولة المفاوضات. طبعا" هنا لا ننسى أن طاولة المفاوضات دخل إليها الفرقاء الليبيون أكثر من مرة في برلين، في روما، في الخيرات في أبو ظبي، في موسكو.

    - ما هو موقف واشنطن من هذا الصراع؟
    طبعا" بالحديث عن موقف واشنطن، من المفيد أن نشير هنا إلى بعض المبادئ الحاكمة حول سلوك واشنطن وحول سلوك القوى العظمى بشكل كامل. النقطة الأولى التي ينبغي أن نتعرض إليها هي حجم الخلافات داخل الإدارة الأمريكية. بالنهاية هناك عدة خطوط، عدة مراكز من المخابرات بين الجيش، بين البيت الأبيض، بين جماعة الأمن القومي وأحيانا" يُشار إلى الفارق الكبير الذي يفرق بين دولة الأمن القومي وإدارة ترامب. وبالتالي، هذا يصنع هذه الإزدواجية الأمريكية وربما أكثر من ذلك. في السنة الماضية –حتى لا ننسى- منظمة العفو الدولية –وهي الذراع الحقوقية للسياسة الأمريكية- أصدرت تقارير لإدانة سلوك الجيش الليبي واتهمته بجرائم وما إلى ذلك، وفي نفس الوقت عندما طرحت بريطانيا قرارا" في مجلس الأمن لإدانة الجيش الليبي أنه قصف موقعا" يوجد فيه محتجزين من المهاجرين لم توافق الولايات المتحدة على ذلك. هناك تخبط. هناك سيناريوهات لا تكتمل، ترامب يتصل بحفتر ويعلن تأييده لكنه يتردد في إعلان الإتصال، ثم يتعرض لبعض الوساطات و يعلن بعد ذلك بأربعة ايام اتصاله بحفتر وتأييده له.

    - هناك تخوف أمريكي، من الإدارة الأمريكية ومن الجنرالات الأمريكيين، من دخول روسيا أصلا" إلى ليبيا وتثبيت قواعد في ليبيا.
    صحيح هناك عدة حسابات، بالنهاية أمريكا لديها عدة حسابات. من ناحية أخرى، -وهذا أصلا" مبدأ حاكم على العلاقات الدولية- أن القوى العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية ترى نفسها أن لها عدة أوراق في أكثر من معسكر. بالتالي، القوى الأصغر، القوى المحلية والقوى الإقليمية هي التي تضع بيضها كله في سلة واحدة باعتبار أنها تعول على حليف واحد. الولايات المتحدة ترى المنطقة ككل. بالنهاية هي لديها مصالح،وبعض هذه المصالح متعارضة. هي تريد مثلا" أن تستقل أوروبا عن الأحادية الروسية بالنسبة للغاز، بهذا المعنى منتدى غاز شرق المتوسط يخدم المصالح الأمريكية. لكن من ناحية أخرى، الوجود الروسي في ليبيا هو خط أحمر أمريكي لأن مكتسبات العشرية الماضية كان هناك هدف كبير وهو إخراج روسيا من ليبيا. هذا هدف كبير تحقق بفضل الربيع العربي وبفضل هجمة الناتو على ليبيا.

    - برأيك روسيا لم تتخل عن ليبيا؟ هي ربما تعتبر انها تخلت عن ليبيا أيام القذافي، الآن هل ستعاود الكرة وتقاتل بشراسة كما قاتلت في سوريا؟
    من الطبيعي روسيا عائدة وعادت بقوة. بالنهاية هناك قوات غير نظامية روسية تقاتل على الأرض الليبية، وهناك منظومات الدفاع الجوي الروسية تستعرض قدراتها في ليبيا، وبالتالي لم يكن من المصادفة أن وزير الدفاع التركي حينما حل في طرابلس، لم ينس ولم تكن مصادفة أن يقوم بتصوير نفسه أمام طائرة حربية وطائرة مروحية روسية محطمة باعتبار أن هذا إذلال للسلاح الروسي. بالتالي العامل الروسي عامل مهم جدا".

    - الصورة بخلاصة، إلى أين تتجه ليبيا الآن؟
    ليبيا تتجه إلى الحسم باعتقادي، مع كل ما يُقال عن التحليلات التقليدية التي تقول بأنه لا يوجد طرف في ليبيا قادر على حسم المنطقة، أعتقد أن المعركة هي معركة حياة أو موت لأكثر من طرف إقليمي خاصة لمصر ولتركيا لأن هناك مشاريع إقليمية، هناك دول تريد أن تضع نفسها على خارطة هذه المشاريع الإقليمية وأن يكون لها موقع محدد في النظام الإقليمي الجديد، وبالتالي المعركة متجهة إلى الحسم بدليل أن كل محطات التسوية ومحطات التفاوض التي شهدناها في العشر سنوات الماضية لم تكن قادرة حتى على الحفاظ على عمليات وقف إطلاق النار وإنما كانت مجرد استراحات في الطريق إلى الحرب.
  • ضيوف الحلقة
    الأستاذ محمد شهاب الإدريسي - المدير التنفيذي لمعهد الدراسات المستقبلية