المجموعة اللبنانية للإعلام
قـــــنــــاة الـــــمنــــار

الحبل المتين - ضيوف على مائدة ذِكرِ صاحب الزمان(ع)

  • شارك
  • تاريخ الحلقة
    2019-05-10
  • التقييم
  • موضوع الحلقة
    يدعونا دعاء الافتتاح كل ليلة ضيوفاً على مائدة ذِكرِ صاحب الزمان(ع)
    وهذه فرصة رائعة جداً
    وهي توصية مهمة للغاية في أن نجعل شهر رمضاننا المبارك شهراً مهدوياً
    إن علينا أن نقضي هذا الشهر بالدعاء للفرج
    وأن نُمضي ساعات نهاره لهفةً لدعوات الانتظار الواردة في دعاء الافتتاح
    ونسهر ليله مع لذة ذكر صاحب الزمان أرواحنا له الفداء
    فشهر رمضان المبارك بالنسبة لعبد الله هو شهر ذِكر وَليّ الله
    فلا يمكن أن تتحقّق العبودية لله دونما ارتباط بوليّ الله
    والاستغفار من غير رضى وليّ الله غير مُجدٍ
    والتقرّب إلى رب الأكوان بعيداً عن الإقبال على وليّ الله مستحيل
    فقبل أن يخلق الله تعالى البشرَ خلق نور أوليائه
    وأول إنسان خلقه الله جعلَه نبيَّه ووليّه
    من هنا فإن منزلة الإمام وولي الله بالنسبة للعبادة وفي طريق العبودية
    منزلة في غاية الرفعة
    فحذار من أن نهتمّ بالاستغفار، وبالقرآن، وبالتقرب إلى الله
    ونهتم بالمعاد والقيامة.. ثم، وسط كل هذه الاهتمامات المعنوية
    ننسى إمام زماننا(عج)!
    فهذا بحد ذاته مؤشر على عدم قبول عباداتنا
    حسنٌ، سنتكلم أكثر عن هذا فيما بعد
    إذ ثمة في الدعاء فقرات تذكر أولياء الله
    وهي الفقرات الرئيسة التي تُفضي إلى الدعاء للفرج
    وعلينا أن نطيل الوقوف فيها على دور الإمام ودور ولي الله في العبادة
    لكننا هنا في مستهل الدعاء
    الحمد لله والثناء عليه هو من مقدمات الدعاء وآدابه
    ثم الاستغفار والمناجاة مع الله حول المعاصي
    وهذا أدب آخر من آداب الدعاء
    هناك في دعاء الافتتاح، وسط عبارات الحمد الخمس عشرة
    التي مرّ ذكرُها إجمالاً في الحلقات الماضية
    هناك فقرة يخصصها الدعاء لمناجاة الله
    وهو، حقيقةً، من النماذج النادرة جداً في أدعيتنا حال المناجاة
    فمستوى الصراحة والصدق والحميمية في مناجاة الداعي لربه في الفقرة
    ما إنْ سمعه المرء مرة لم ينسَه قط
    على أنها فقرة قصيرة جداً أيضاً
    فالذين لا يطيقون تلاوة دعاء أبي حمزة الثمالي بذاك الطول
    ولا غيره من الأدعية
    باستطاعتهم قراءة هذه الفقرة الموجزة وترديد المناجاة
    فبإمكانها، حقّاً، اجتذاب الإنسان إليها دفعة واحدة وبكل قوة
    فيُظهر تواضعه بين يدي ربه عبر هذه الفقرات البالغة الروعة
    وإن من أدلة كون الدعاء صادر عن أولياء الله(ع) هو هذه الفقرة تحديداً
    وهو أنه في أي مستوى من العمق والجمال والعرفان والحكمة
    قد صُفَّت هذه العبارات إلى جوار بعضها البعض
    يقول: «اللَّهُمَّ إِنَّ عَفْوَكَ عَنْ‏ ذَنْبِي
    وَتَجَاوُزَكَ‏ عَنْ خَطِيئَتِي وَصَفْحَكَ عَنْ ظُلْمِي»
    وأنك تغفر لي، وأنك تعفو عني، وأنك تستر ذنوبي ولا تخزيني
    «وَسَتْرَكَ عَلَى قَبِيحِ عَمَلِي» أو «عن قبيح عملي»
    «وَحِلْمَكَ عَنْ كَثِيرِ جُرْمِي‏»
    كل هذا أدى إلى: «أَطْمَعَنِي فِي أَنْ أَسْأَلَكَ..»
    أن أسألك ما لا أستحقّه ولا أليقُ به «..فِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لا أَسْتَوْجِبُهُ مِنْك‏»
    لكنك يا إلهي، في النهاية، أنت الذي قد زِدتَ صلافتي..!
    ونمّيتَ جُرأتي على رفع سقف مطالبي
    ثم يقول: «فَصِرْتُ أَدْعُوكَ آمِناً وَأَسْأَلُكَ مُسْتَأْنِساً لا خَائِفاً وَلا وَجِلاً»
    لقد تولّدت فيَّ حالةٌ صرتُ فيها أناجيك وأنا استشعر الأمن
    وأحس الأنس بك.. وكأنّي لم أقترف كل تلك الذنوب!
    وكأنّي لستُ ذاك الفرد غير الصالح!
    وكأنّك لست في قمة الطهارة وأنا في حضيض الهلاك!
    إلهي، إن سلوكك الرؤوف معي جرّأني على أن أخاطبك باطمئنان!
    بأي روعة تُري (هذه العبارات) الإنسانَ نفسَه وتكشف لنا عما نحن فيه!
    فذكرُ هذه الحال في حضرة الإله جميل جداً
    ولولا قولنا هذا لكان خطابُنا لله وكأنّه غير مؤدّب
    ثم تأتي الفقرة التالية لتبيّن حالاً أخرى للداعي
    من أنه: إلهي، لقد بلغَت جُرأتي واطمئناني بين يديك حدّاً
    جعلني أعاتبك إذا سألتُك حاجةً فتباطأتَ في تلبيتها لي!!
    وكأنني أشاجرك.. وأنّ لي حقّاً عليك!
    والحال أنه: «لَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الأُمُور»
    إذ لا بد أنّ تأخّرك في إجابة ما أطلب هو خير لي
    لأنك أنت المطّلع على عاقبة الأمور
    لكن معاملتك إياي بمنتهى الرأفة هي ما جعلَني أكلّمك بصلافة!
    ثم يقول.. وما أروع ما يقول:
    «فَلَمْ أَرَ مَوْلىً كَرِيماً أَصْبَرَ عَلَى عَبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ يَا رَبِّ»
    لم أرَ مولى أوسع رحمة وأشد صبراً منك
    يتعامل بكل هذه الرأفة والرحمة مع عبد لئيم مثلي!
    إنها تلك الفقرة البالغة الروعة
    التي وكأنّ كل تلك المقدّمات جاءت تمهيداً لهذه الروعة
    الجارية على اللسان، وهو لون من ألوان الحمد
    ثم يقدم توضيحاً لهذه الفقرة
    فبعد قوله: «فَلَمْ أَرَ مَوْلىً كَرِيماً أَصْبَرَ عَلَى عَبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ يَا رَبِّ»
    يوضح قائلاً: «إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ» إنك تناديني فأعطيك ظهري!
    «وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْك» إنك تعاملني بالمحبة
    فأقابلك بالبغضاء والجفاء!
    وفي الفقرة التالية: «وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ [تُظهِر لي الودّ] فَلا أَقْبَلُ مِنْكَ»
    ومثل هذه التصرفات تلاحَظ أحياناً عند الأطفال
    فترى الأم تتودّد لطفلها وهو لا يقبل منها غارقاً في عالم غضبه وانزعاجه
    «كَأَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْك» كأنّ لي حقّاً عليك يا إلهي!
    وعلى الرغم من ذلك وفي مثل هذا الظرف:
    «وَلَمْ يَمْنَعْكَ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ بِي..
    وَالإِحْسَانِ إِلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجَاهِل‏»
    هذا العبد الذي يقابل صنوف عطفك بسوء التصرف!
    «وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسَانِكَ إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيم»
    هذه الفقرة من المناجاة، التي تتضمن شكلاً من الاستغفار أيضاً
    ولوناً من الإقرار بالخطيئة واعتراف العبد بسوء الحال
    جاءت وسط جو من الحمد
    بعد عبارات الحمد السابقة عليها وتلك اللاحقة لها
    إن المرء ليشتاق لشهر رمضان المبارك
    أوّلاً لأنه ثمة في هذا الشهر فرصة لقراءة مثل هذه المناجاة والأدعية
    ثم إنه يشتاق إليه بسبب هذه الفقرة تحديداً من دعاء الافتتاح
    إذا ما تلاها على أعتاب ربه من أعماق قلبه
    وأظن أنها من نوادر المناجاة التي يتسنى للمرء سفحُ دمعِه معها كل ليلة
    باستطاعته كل ليلة عبر هذه الكلمات ومع كل عبارة في هذه الفقرة
    أن ينطلق مع ربّه بالنجوى من صميم قلبه
    وبإمكانها، بطبيعة الحال، أن تورث الداعي تكاملاً عظيماً
    فكل من وقف على حاله المتردّية وهو على اعتاب ربه نما وتكامل
    وكل من اعترف على باب ربه بوضعه التعيس فسيتحسّنُ وضعُه
    هذا بالذات ما يريده الله من عبده؛ أن يلتفت إلى ما هو عليه
    وإنك في هذه المناجاة لتُعلن بكل صراحة ودقة
    أنّني يا إلهي مُلتفِت لوضعي وحالي
    وما من شك بأن الله يلطف بعبد كهذا
    نأمل أن يتقبل الله مناجاتنا، ويوفقنا لها، ويوفقنا للإقرار بالذنب
    ففي الحديث: «وَاللهِ مَا يَنْجُو مِنَ الذَّنْبِ إِلاّ مَنْ‏ أَقَرَّ بِه‏»
    والله لا ينجو أحد من حاله المتردية ولا مذنب من ذنبه
    اللهم إلا إذا أقَرّ به
    وإننا لنعترف في حضرة رب العالمين
    قبل الوصول لفقرات الدعاء التالية
    وهي الدعاء للفرج والدعاء لتوثيق الصلة بولي العصر أرواحنا له الفداء
    ـ نعترف بحالنا السيئة، بحالنا التي إن شرحوها لنا لم نستطع النظر إليها
    عَلَّ الله سبحانه وتعالى أن يُخرجنا منها
    حتى نصل إلى فقرات الدعاء الأسمى
    التي تتطلب روحاً أطهر وأشد نورانية وصفاءً بكثير